السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

322

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

إِذْ هَدَيْتَنا » للإيمان بما جاء عنك في كتابك محكمه ومتشابهه بعد أن أرشدتنا لدينك الحق « وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً » تثبتا بها على ذلك « إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ » ( 8 ) كثير العطاء ، اسم مبالغة من الواهب بلا أمل عوض أو قضاء غرض ، وهذا هو معنى الهبة الحقيقية ، ولما كانت القلوب محلا للخواطر والإرادات والنيات وهي مقدمات الأفعال وسائر الجوارح تابعة لها ، خصها بالذكر ، والقائلين أيضا « رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ » يوم البعث والفصل الذي ينكره عمه القلوب . والوعد في هذا اليوم الذي تجتمع فيه الخلائق بعد فنائها هو وعد حق « إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 9 ) » كما يحقق وعده في كل ما ذكره في كتابه وعلى لسان رسوله ، فمن سبقت له السعادة في علمه هدي للأخذ بما أنزل اللّه فيحيا ، ومن سبقت له الشقاوة زاغ قلبه فمال إلى التأول فوقه في الشك فهلك . وبعد أن بين اللّه تعالى في هذه الآيات التسع انفراده بألوهيته وبالحياة الأبدية واستحقاقه للعبادة وأنه هو الواضع للشرائع بما أنزل من الكتب على لسان الرسل ، وانه واهب الحياة لكل حي ، والعقل لكل عاقل ومنظم السنن للخلق ، وجاعل الآيات عبرة لذوي العقول ، وأنه يمهل الظالمين ليرجعوا إليه ، وإن أصروا فلا يهملهم من عذابه لعدم اعتقادهم بما أوجبه عليهم من الأخذ بالكتب والطاعة للرسل ، ثم ندد بالنصارى لاتخاذهم عيسى إلها بسبب بعض ما أظهره اللّه على يده من المعجزات ، ولم يعلموا أن اللّه هو الذي منحه إياها لهدايتهم لدينه في زمنه ، وأنه هو الذي كونه برحم أمه بلا أب وجعله آية منه لعباده ، ليعلموا أن قدرته غير متوقفة على شيء من الأسباب الظاهرة ، ثم إنه بين لعباده أن القرآن منه محكم ومتشابه ليتفاوت الخلق في معرفته ، وليعلموا من مغزاها وجوب الأخذ بظاهر المتشابه ، لأن التأويل تحكم في مراد اللّه وهو مذموم عنده ، ومن مقتضى الرسوخ بالعلم التصديق بظاهر ما أخبر اللّه كما يليق بجلاله لا كما تدركه عقولهم من الأمور المحسوسة ، لأن أمور اللّه غير محدودة ، وإدراك البشر محدود ، والمحدود لا يحيط بغير المحدود ، فالاعتراف بالعجز عما لا يدرك والسكوت عن السؤال فيه سدّ لسد مداخل الشيطان إلى الإنسان بما يؤدي لوضع الشك في القلب ، والأحسن